طباعة

الجيـــــــــش القرطاجـــــــــيّ

القائد القرطاجي أميلكار

إن تأسيس قرطاج في أواخر القرن التاسع ق.م كمرفأ تجاري بالحوض الغربي للمتوسط جعل الفينيقيين يقيمون علاقات سلميّة مع السكان الأصليين بشمال إفريقيا. لذلك فإن أول العمليات العسكرية التي خاضتها قرطاج تمثلت في بعض المعارك التي تصادمت خلالها المستوطنة الفينيقية خلال القرن 6 ق.م مع الإغريق من أجل تدعيم مراكزها التجارية بالحوض الغربي للمتوسط. ومن جملة هذه النزاعات نذكر بالخصوص المعركة البحرية التي واجهت فيها قرطاج و حلفاؤها الأترسكيون الفوقيين بجزيرة كرسيكا حوالي سنة 540 ق.م. و بعد ذلك بقليل تصدت قرطاج للإغريقي دوريوس ( Doreius) لمنعه من تأسيس مستوطنة بشمال إفريقيا ثم بصقلية. لكن أكثر الأحداث أهمية بالنسبة لموضوعنا هذا تلك التي تتعلق بالحملات العسكرية التي قادها القرطاجي مالخوس في كل من لوبية وصقلية و سردينيا في منتصف القرن 6 ق.م. فرغم الغموض القائم حول أسباب هذه الحملات و حول هوية الأطراف المتنازعة أو شكل الصراعات التي خاضها القائد القرطاجي، فإن المؤرخ الروماني يوستينيوس الذي روى لنا هذا الحدث يفيدنا بصفة عرضية أن الجيوش القرطاجية كانت متكونة آنذاك من المواطنين القرطاجيين لوحدهم وهو ما يوحي به قرار العزل الذي فرضته الدولة القرطاجية على مالخوس و ما تبقى من جيوشه المنهزمة في سردينيا.  

انطلاقا من القرن 5 ق.م. بدأت تتوفر لدينا معطيات ضافية نسبيا حول الجيوش القرطاجية من ذلك مثلا ما يفيدنا به المؤرخ الإغريقي هيرودوت حول العناصر المكونة للجيش القرطاجي خلال معركة هيميرا بصقلية سنة. 480 ق.م. أو ما رواه ديودوروس الصقلي بالنسبة للخطط الحربية المتبعة من طرف الجيوش القرطاجية و الآلات الحربية المستعملة خلال الحروب التي خاضتها قرطاج بصقلية في أواخر القرن الخامس وخلال القرن الرابع ق.م فمنذ هذه الفترة إلى سقوط قرطاج سنة 146 ق.م. توفرت المعطيات حول الجيش القرطاجي سواء تعلق الأمر بتركيبته أو بالخطط الحربية أو بنوعية الأسلحة المستعملة.

 

 

التركيبة البشرية للجيوش القرطاجية:

يمكن تشبيه الجيوش القرطاجية بلوحة فسيفساء نظرا لكونها جمعت أجناسا مختلفة: المواطنون القرطاجيين ،الرعايا اللوبيين ، الجنود الذين كانت الشعوب الحليفة لقرطاج توفرها لها إلى جانب شتى الجنسيات من المرتزقة. فبعد أن كانت الجيوش تتكون من المواطنين فحسب في بداية الأمر، أصبحت منذ القرن الخامس ق.م تضم بالأساس جنودا من اللوبيين رعاة قرطاج، إضافة إلى الفرق الإضافية من النوميديين الذين انضموا إلى الجيوش القرطاجية ابتداء من القرن الثالث ق.م والإيباريين رعايا قرطاج الذين بدأ تجنيدهم منذ الحملات العسكرية التي قادها عبد ملقرط البرقي و خلفاءه بجنوب اسبانيا انطلاقا من 237 ق.م.   

المواطنون و دورهم في الجيش:

لقد اعتمدت قرطاج خلال فترة يصعب تحديدها بدقة لكن يرجح أنها امتدت على قسم كبير من القرن 6 ق.م على جيوش تم تجنيدها من بين االمواطنين القرطاجيين لا غير، و هو على الأقل الشكل الذي كانت عليه جيوش القائد القرطاجي مالخوس خلال الحملات التي قادها حوالي سنة.545/535 ق.م  بكل من لوبية و صقلية و سردانيا. لكن حاجة الدولة القرطاجية إلى أعداد كبيرة من الجيوش لمتابعة سياستها التوسعية بالحوض الغربي للمتوسط من جهة، و حرصها على صيانة مواطنيها من جهة أخرى، جعلها تتخلى تدريجيا عن المواطنين و تعوضهم بجيوش من الرعايا ومن المرتزقة أو من الجنود الذين توفرها لها الشعوب الحليفة. إلاّ أن التقلص التدريجي لعدد القرطاجيين ضمن الجيوش البونية لم يمنع المواطنين من المشاركة في عديد الحروب التي خاضتها قرطاج بصقلية خلال السنوات الأخيرة من القرن 5 ق.م. و أوائل القرن 4 ق.م. و يبدو أن قتل 2500 جندي من الأرستقراطية القرطاجية في معركة كريميزوس Crimisos بصقلية سنة 339 ق.م. ينتمون إلى فريق عسكري يعرف باسم «الكتيبة المقدسة» هو السبب الذي جعل الدولة القرطاجية تحجر على مواطنيها المشاركة في حروب صقلية. و فعلا لم يرد ذكر المواطنين في جيوش صقلية بعد هذا الحدث سوى مرة واحدة سنة.311 ق.م.

وفي الواقع كان القرار الذي اتخذته الدولة القرطاجية يقتصر علىالحروب التي تقوم بها قرطاج خارج لوبية وهو ما نتبينه من خلال الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين تم تجنيدهم في مناسبات عديدة منها مثلا تسخير 45 ألف رجل بمدينة قرطاج ذاتها لتكوين جيش من الخيالة قصد مقاومة أغاتوكلاس Agathocle حاكم سرقوسة الذي هاجم قرطاج سنة 310 ق.م. أو مشاركة المواطنين في الجيوش التي تصدت للقائد الروماني ريغولوس Regulus الذي قاد حملة ضدّ قرطاج سنة 256 ق.م. في إطار الحرب البونية الأولى. و قد تواصل تجنيد المواطنين خلال الحرب البونية الثانية إذ شاركوا في معركة السهول الكبرى سنة 203 ق.م و في معركة زاما سنة 202 ق.م وتذكر المصادر أن عزربعل قاد 400 جندي من الخيالة القرطاجيين سنة 150 ق.م. خلال معركة واجه فيها الملك النوميدي ماسينيسا.

 

الوحـدات الإضافيــة:

        كانت قرطاج تتمتع بالخدمة التي تقدمها الوحدات الإضافية وهي جيوش يوفرها حلفاؤها من الشعوب المحلية بصقلية و بشمال إفريقيا. و قد ساهم الأفارقة لأول مرة في الجيوش القرطاجية سنة 406 ق.م. حين طلب القائدان حنبعل و خيميلكون دعما عسكريا من الماوريين والنوميديين إضافة إلى قبائل محلية بمنطقة قيرينية في إطار التحضيرات لمواجهة الإغريق بصقلية. و قد تواصلت مساهمة النوميديين في الجيوش القرطاجية المتمركزة بصقلية في السنوات الأولى من القرن 4 ق.م. وخلال الحرب البونية الأولى.

        لكن نظرا لعدم الاستقرار الذي ميز نظام التحالفات بين قرطاج و النوميديين فإنه لم يكن دائما باستطاعة العاصمة البونية الاعتماد على الجيوش الإفريقية وهو ما نتبيّنه من خلال موقف الأمير الإفريقي  نارهافاس خلال حرب المرتزقة فبعد أن كان مواليا للمنتفضين في بداية الأحداث التحق فيما بعد بصف القائد القرطاجي عبد ملقرط البرقي. و نعرف ما آل إليه الصراع بين روما و قرطاج خلال الحرب البونية الثانية نتيجة عدم الاستقرار في نظام التحالفات بين الدولة القرطاجية و حلفائها النوميديين. فالأمير النوميدي ماسينيسا انظم إلى صف الرومان ابتداء من سنة 217 ق.م. بعد أن كان حليفا لقرطاج و ساهم بخيالته في الحملات العسكرية التي قادها البرقيون بإسبانيا، مما أثر دون شك على مصير الصراع بين الطرفين.

الجنـود المرتزقــة:

        كان المرتزقة جنودا محترفين يحاربون لصالح دولة أو مدينة أو بلد ما مقابل أجر يتقاضونه، ويتم تسريحهم عند نهاية العمليات العسكرية التي جندوا من أجلها. و قد اشتهرت الدولة القرطاجية بالاستعانة بالجيوش المحترفة للقيام بحروبها لكن في الحقيقة لم تكن قرطاج مختلفة في هذا المجال عن بقية الشعوب القديمة الأخرى حيث اعتمد كذلك كل من الآشوريين والفينيقيين والفراعنة و الإغريق على جيوش من المرتزقة للقيام بحروبهم.و من المرجح أن أول مرة يقع فيها اللجوء لخدمة المرتزقة كان خلال النصف الثاني من القرن 6 ق.م بأمر من ماجون مؤسس الإمبراطورية القرطاجية. و قد أصبح تواجد الجنود المحترفين ضمن الجيوش القرطاجية أمرا ثابتا ابتداء من سنة 480 ق.م. حيث شاركوا في معركة هيميرا بصقلية.

 وتتم عملية التجنيد سواء على عين المكان في البلدان التي تخوض فيها قرطاج حروبها، أو عن طريق وسطاء قرطاجيين يكلفون بالتنقل إلى بلدان أجنبية لجلب المرتزقة، أو كذلك بالاعتماد على خدمة وسطاء محليين توجد تحت تصرفهم فرق جاهزة للتجنيد. و في هذا الصدد نذكر المعاهدة المبرمة بين قرطاج و الشعب الليغوري بإيطاليا، والتي يتعهد بمقتضاها الأعيان المحليون بتجنيد عساكر لتلبية حاجيات الدولة البونية، وهي طريقة ربما تكون قرطاج قد اتبعتها أيضا مع شعوب أخرى.

أما بالنسبة لأصل هؤلاء المرتزقة فإنه غالبا ما كان يتم جلبهم من بلدان متوسطية من بين شعوب اشتهرت إما بخبرتها العسكرية مثل الإغريق أو بطابعها العدواني كالغاليين و بعض الشعوب الإيطالية. فالمصادر تذكر مشاركة إغريقيين من أصل صقلي منذ سنة 480 ق.م. أو من بلاد اليونان ذاتها. وقد جند هؤلاء لأول مرة سنة 339 ق.م. كما جلبت الدولة القرطاجية مرتزقة غاليين منذ سنة 480 ق.م. في حين استعملت مقاتلين من جزر الباليار منذ أواخر القرن 5 ق.م. وقد واصلوا المحاربة ضمن الجيوش القرطاجية إلى حدود الحرب البونية الثانية وإلى جانب هؤلاء، نجد منذ أواخر القرن 4 ق.م. جيوشا مرتزقة من منطقة الكمبانيا جنوب إيطاليا. أما الجيوش اللوغيرية فلم تتم الاستعانة بها قبل فترة الحروب البونية في القرن 3 ق. م.

كان كل هؤلاء يربطهم بقرطاج عقد تلتزم بموجبه الدولة البونية بدفع أجور الجيوش، إضافة إلى التعويضات التي تلتزم بها مقابل ثمن الخيول و الأسلحة كما أنها تؤمن حاجياتهم من الحبوب. أما مدة صلوحية العقد فإنها تنتهي مع انتهاء الحرب التي جندت من أجلها الجيوش المرتزقة.

 

 إن اللجوء إلى الجيوش المرتزقة قد فرضته دون شك طبيعة الحروب التي باتت تتطلب تسخير طاقات بشرية هائلة لم يكن بالإمكان توفّرها في المواطنين أو الرعايا لوحدهم. و لكن رغم كل الخدمات التي يقدمها المرتزقة، فوجودهم ضمن الجيوش القرطاجية كان يطرح بعض المشاكل منها مثلا مسألة عدم الانضباط الذي يتّصف به هؤلاء أو التباين اللغوي الناتج عن اختلاف الجنسيات مما يستدعي اللجوء إلى مترجم للتواصل مع مختلف الفرق المكونة للجيش. لكن مهما كانت مساوئ الاحتراف  فإن الجيوش المرتزقة كانت تساعد على عدم هدر أرواح المواطنين الذين يمثلون العماد البشري للدولة القرطاجية. و قد ساهمت الجيوش المرتزقة بصفة فعالة في الحروب التي خاضتها قرطاج بصقلية ضد المدن الإغريقية، ثم في الحربين الأولى و الثانية ضد روما.

 

 

تركيبــة الجيــوش:

يبدو أن الجيوش القرطاجية قد حافظت في بداية عهدها على جملة من الخصوصيات الفينيقية مثل استعمال العربات المجرورة بزوج أو زوجين من الخيالة والتي لجأ إليها الجيش القرطاجي في حروبه بصقلية خلال القرن الرابع ق. م لكن سيقع التخلي عنها نهائيا خلال فترة الحروب البونية. كما أن قرطاج كانت في مواجهة مع بعض المدن الإغريقية بصقلية، مما اضطرها للتأقلم مع التقاليد الحربية الشائعة آنذاك لدى اليونان و هو ما نتبينه من خلال تكوين مشاة يستعملون نفس الأسلحة المتعارف عليها لدى اليونان وربما اتبعوا أيضا نظام الكتيبة المعمول به في الجيش الإغريقي حيث ذكرت المصادر أن الجنود المشاركين في معركة كريميزوس بصقلية سنة 339 ق.م. كانوا من المشاة المثقلين بالسلاح. ولا بد من الإشارة إلى أن طريقة تنظيم الجيوش حسب كتائب معينة هي من الفنون الحربية التي نقلها الإغريق في البداية عن الآشوريين ثم قام إسكندر المقدوني في فترة لاحقة بتحسينها فراجت في كامل حوض البحر الأبيض المتوسط. أما اعتماد الكتيبة المقدونية فقد انجر عنه تنظيم الجنود بشكل محدد إبان القتال حيث كان الجميع يصطف لتكون أذرعتهم متلاصقة مما يجعلهم يواجهون العدو في شكل جدار حديدي. و يبدو أن الإغريقي كزانتيب Xanthippe أدخل تعديلات على هياكل الجيش القرطاجي منظما إياه على منوال الكتيبة المقدونية للتصدي للجيوش الرومانية التي هاجمت قرطاج بقيادة ريغولوس Regulus سنة 256 ق.م.

       وكان الجيش القرطاجي يتكون منذ فترة الحروب البونية من تشكيلة أساسية تشتمل على ثلاثة عناصر: القلب وهو مخصص للمشاة الثقيلة، ثم الميمنة والميسرة وهما مخصصتان للمشاة الخفيفة وللخيالة. وتحتل الكتائب الثقيلة مركزا مهيمنا داخل هذا الجيش فقد كانت تتكون من عساكر يتم تجنيدها إما من بين المواطنين القرطاجيين، أو من المرتزقة الإيطاليين و الإغريق. إضافة إلى هؤلاء كونت قرطاج فرقا من المشاة الخفيفة متركبة أساسا من اللوبيين و تتميز بسرعة أكبر في ميدان الوغى و بالتالي بتأقلمها مع الخطط الحربية الرائجة لدى اللوبيين والإسبان و أهالي جزيرة سردانيا. وتتكون الأسلحة المستعملة من طرف المشاة اللوبيين من درع صغير إسطواني الشكل وحربة و خنجر صغير. و نظرا لسرعة تنقلها فقد لعبت فرق المشاة الخفيفة دورا أساسيا منذ سنة 409 ق.م. كما شكلت قسما كبيرا من القوى العسكرية القرطاجية باسبانيا خلال الفترة البرقية. لكن دورها تعاظم أيام حنبعل حيث كان القائد القرطاجي يقود 8000 من المشاة الخفيفة مقابل 12.000 من المشاة الثقيلة.

       وساهمت الخيالة في تركيبة الجيوش القرطاجية منذ القرن 5 ق.م لكن دورها ظل ثانويا إلى نهاية القرن الرابع ق.م. وانطلاقا من القرن الثالث ق. م و بالتحديد منذ الحملات العسكرية التي قادها البرقيون باسبانيا أصبحت تمثل قوة هامة داخل الجيوش البونية. فقد ساهمت بعد ان تضخمت أعدادها بشكل فعال في إنتصارات حنبعل في إيطاليا خلال الحرب البونية الثانية ويمكن أن نميز في هذا المجال بين الخيالة الخفيفة القليلة العتاد المتكونة من النوميديين و جيوش من الغاليين و الإيبار الذين اعتمد عليهم القادة القرطاجيون خاصة في المعارك المنتظمة حيث كان الجندي يتخلى عن فرسه و يتحول بعد القتال إلى مجابهة جسدية بين الأشخاص. و في هذا النوع من المعارك تحتل الخيالة جناحي الجيش و تكون مهمتها تطويق العدو، وهي الخطة الحربية التي استعملها حنبعل بسهل التريبي Trébie و بكان Cannes في إيطاليا وكان قد استعملها قبله القائد الإغريقي كزانتيب Xantippe سنة 255 ق.م. ضد ريغولوس Regulus.

 

 

قيـادة الجيـوش:

        لا نفرق بدقةقيادة الجيوش القرطاجية خاصة خلال القرون الأولى لكن الأشياء بدأت تتضح منذ القرن الرابع ق.م و بالخصوص منذ فترة الحروب البونية. و في هذا المجال يمكن أن نميز بين الأصناف التالية: القائد الأعلى للجيوش، الضباط السامين و ضباط الصف.

        ويقع اختيار القائد الأعلى للجيوش من بين المواطنين النبلاء و يقوم مجلس الشعب بتعيينه اعتمادا على الخبرة الحربية للشخص قبل كل شيء لكن لا يستهان كذلك بدرجة ثرائه. والحالة الوحيدة الشاذة عن هذه القاعدة تخص تعيين الإغريقي كزانتيب Xanthippe قائدا عاما للجيوش لكي يتصدى للجيش الروماني بقيادة ريغولوس Regulus سنة 255 ق.م. ويحتفظ هذا القائد عادة بخطته إلى نهاية الحرب التي انتخب لتسييرها إلا في صورة تخليه عن مهمته أو إقالته. ويتمتع القائد باستقلالية في تسيير العمليات الحربية لكن مجلس الشعب يعتبره مسؤولا عن نتائج المعارك. و فعلا فقد فرضت الدولة القرطاجية رقابة كبيرة على القادة عن طريق مجلس المائة و هو عبارة عن محكمة يمثل أمامها القائد بعد نهاية الحرب لكي يدلي بكل التفاصيل عن العمليات التي قام بها. و قد تؤدي هذه المحاسبة أحيانا إلى إقالة القائد من مهامه أو حتى إعدامه.

 ويستعين القائد الأعلى بمجموعة من الضباط السامين الذين يتم اختيارهم كذلك من بين الأرستقراطية القرطاجية ويتعهد هؤلاء بتسيير مختلف الوحدات العسكرية كما توكل إليهم قيادة الميسرة والميمنة في الكتيبة و يجتمعون في مجلس حربي بإذن من القائد الأعلى، بل يكلف أحيانا القائد العام للجيوش ضابطا ساميا بقيادة فيلق من الخيالة وهي الو ظيفة التي كلف بها حنبعل صهره عزربعل باسبانيا، أو تلك التي كلف بها الأميرال مهربعل تحت قيادة حنبعل برتبة "مدير الخيالة" .praefectus equitum حددت مهمة هؤلاء الضباط الساميين بصفة أوضح منذ فترة حنبعل.

        و يوجد صنف ثالث من القادة يتكون من ضباط صف و هم على علاقة مباشرة مع الجنود، يتم اختيارهم ضمن مختلف القوميات الممثلة في الجيش القرطاجي و يعين كل واحد على المجموعة التي ينتمي إليها حيث أن الجنود يجمعون داخل الجيش حسب جنسياتهم نظرا لتباين الأسلحة المستعملة من قبل كل مجموعة. ويقوم هؤلاء القادة بإعطاء الأوامر بلغاتهم الخاصة و يكلّف مترجم بتبليغهم تعليمات القائد الأعلى للجيوش كما نتبينه من خلال ما نقله المؤرخ بوليبيوس Polybe حول أحداث حرب المرتزقة (241 ق.م. ـ 237 ق.م.)  

 

الأسلحة والمعدات الحربية :

الأسلحـــة:

       تدلنا الوثائق التاريخية وبعض الاكتشافات الأثرية على بعض الأسلحة التي كانت متداولة لدى الجيوش القرطاجية.

       تتكون الأسلحة الدفاعية من الخوذة والدرع والترس و الساقية. كانت الخوذة تقي الرأس      والعنق وهي رائجة لدى الخيالة والمشاة على حدّ السواء منذ القرن السادس ق م. ووجدت أشكال مختلفة من الخوذات منها ما كان يحاكي النمط الإغريقي و منها ما هو في شكل قبعة. وكانت مستعملة خاصة لدى الإيطاليين، و أخيرا الخوذة المذببة الرائجة لدى النوميديين. أما الجسد (إلى حد أعلى الساقين) فقد كان محمى بالدرع الإسطواني الشكل الذي سيعوض في فترة لاحقة بدرع مستطيل. ويبدو أن القرطاجيين كانوا يميلون إلى نهاية  القرن الرابع ق.م.إلى الدرع الدائري الكبير الحجم و المصنوع من البرنز و هو صنف كان رائجا في الشرق وفي بلاد اليونان.ومن المرجح أن هذا النوع من الدروع كان يحاكي تلك التي استعملها الجنود القرطاجيون في معركة كريميزوس   Crimisosبصقلية سنة 339 ق.م. كما نجد الشكل نفسه مرسوما على صفيحة من الطين المشوي يرجع تاريخها إلى القرن 6 ق.م. عثرعليها بمقبرة بمدينة قرطاج وكذلك الرسم الذي يحمله جعل اكتشف في مقبرة منزل تميم ويرجع إلى القرن الرابع ق.م.

       بالإضافة إلى الدرع المعدني الكبير الدائري يوجد صنف ثان استعمله اللوبيون من المشاة ذوي الأسلحة الخفيفة، وهو درع دائري الشكل لكنه صغير الحجم، يكون عادة مصنوعا من الجلد يعرف باسم caetera و يقي خاصة من الحجارة و السهام. هذا النوع من الدروع نجده كذلك لدى النوميديين كما تدل على ذلك الرسوم الجنائزية البارزة التي عثر عليها بمدن نوميدية مثل شمتو. أما الصنف الأخير من الدروع فهو مستطيل أو بيضوي الشكل وكان رائجا لدى الغاليين والإيباريين و بعض الشعوب الإيطالية و قد استعمله القرطاجيون ابتداء من القرن الثالث ق.م.

       إلى جانب الدرع استعمل الجنود الترس المصنوع من الجلد أو من المعدن لوقاية الصدر لكن المعلومات حول هذا النوع من الأسلحة تظلّ قليلة فنعرف مثلا أن الجيش القرطاجي المنهزم في معركة كريميزوس خلّف وراءه 10 آلاف ترس، كما تفيدنا بذلك أيضا رسوم على قطع أثرية ترجع إلى القرن الثاني ق. م عثر عليها بمعبد الطوفات بقرطاج. وتغطّى الأرجل بساقية تصنع عادة من ورقة من البرنز وهي طريقة في الحماية تميز الجندي الإغريقي l’hoplite. وقد تم التعرف على أشكال للساقية مجسمة على مسلات عثر عليها بقرطاج و على جعل وجد بالمقبرة البونية بمنزل تميم.

لم يكتف الجندي القرطاجي باستعمال الأسلحة الدفاعية بل استعمل أيضا أسلحة هجومية فردية متعددة مثل الََحربة والسيف و الخنجر القصير و قد كان قسم هام من هذه الأسلحة يصنع بترسانات العاصمة البونية. 

المعدات الحربيـة:

لقد توفرت لدى الجيوش القرطاجية معدات شتى منها ما هو من أصل شرقي و منها ما يرجع إلى التقاليد المحلية و منها ما تمّ اقتباسه عن الشعوب الإغريقية. فمن المرجح أن الجيش القرطاجي استعمل عربات حربية كانت رائجة لدى اللوبيين منذ أواخر الألفية الثانية ق.م. وهي عربات خفيفة ذات عجلتين يجرها زوج أو زوجان من الخيل. استعمل هذا النوع من العربات في معركة هيميرا سنة 480 ق.م. و كذلك في الحروب التي خاضتها قرطاج بصقلية خلال القرن الرابع ق.م. كما استعمل القرطاجيون كذلك عربات من طراز فينيقي مجرورة هي الأخرى بزوج أو زوجين من الخيل، يركبها سائق وربما جندي من الرماة. إلاّ أنه سيقع التخلي عن هذه المعدات و تعويضها بالفيلة قبيل فترة الحروب البونية. و يرجح أن قرطاج لم تستعمل هذه الحيوانات قبل النصف الثاني من القرن الثالث ق. م. مستنبطة هذه الطريقة في القتال عن الإغريقي بيروس Pyrrhus الذي استعمل الفيلة ضد الجيوش القرطاجية بصقلية.

ومهما يكن من أمر، فلقد كان للفيلة دور كبير في حروب قرطاج إلى درجة أنه تم تهيأة 300 إسطبل لهذه الحيوانات داخل الأسوار التي أقيمت خلال القرن 3 ق.م. على البرزخ الذي يربط المدينة ببقية البلاد. أما بالنسبة لكيفية استعمالها في ميدان القتال فقد كانت تصفف على طول الواجهة لكي تحميها من هجوم الجيوش التي كانت تحمل أسلحة خفيفة، أو تدفع ضد صفوف العدو فتفرقها بعد أن تحدث الفزع بينها. و قد برهنت الفيلة عن نجاعتها في عديد المناسبات نذكر من ذلك مثلا حملة ريغولوس ضد قرطاج أو أثناء حرب المرتزقة، أو كذلك بإيطاليا في واقعتي التاج Tage سنة 220 ق.م. و التريبي    Trébieسنة 218 ق.م. و أخيرا بزاما سنة 202 ق.م.

وقد اعتمدت الشعوب القديمة في حروبها على آلات حربية عادة ما كانت تستعمل عند حصار مدينة أو قلعة قصد تهديمها و الدخول إليها عنوة. وتتطلب هذه التجهيزات وجود مختصين في مجال صنع الآلات الحربية، إضافة إلى توفر الموارد المالية اللازمة. ويبدو أن الدولة القرطاجية كانت تتمتع بالإمكانيات اللازمة لتمويل مثل هذه المشاريع. فالمصادر القديمة تذكر عدة مناسبات استخدم فيها الجيش آلات حربية متنوعة، خاصة أثناء الحروب التي خاضتها الجيوش القرطاجية ضد الإغريق في السنوات الأخيرة للقرن الخامس ق.م و خلال القرن الرابع ق.م. فعلاوة على المنجنيق الذي يعود اكتشافه إلى القرطاجيين، استعمل هؤلاء آلات كانت معروفة لدى الإغريق منها القفعة (tortue) والأبراج المتحركة ومزلقة الهجوم rampe d’assaut والمقلاع catapulte. كل هذه الآلات استعملتها قرطاج في حروبها بصقلية. لكن يبدو أنها لم تلتجئ إليها في شمال إفريقيا سوى في مناسبات قليلة نذكر منها بالخصوص محاولة رفع الحصار عن عاصمتها أثناء تطويق الجيوش الرومانية لها خلال الحرب البونية الثالثة.

قراءة 28168 مرات