طباعة

بعث النواة الأولى للجيش الوطني التونسي

واجه تجسيم السيادة التونسية في ميدان الأمن والدفاع صعوبات كبيرة. فبينما لم تنته سنة 1956 إلاّ وحقّقت تونس سيادتها في المجال الديبلوماسي كان عليها انتظار سنوات أخرى لاستكمال سيادتها في مجال الدفاع الوطني. وكان على الدّولة التونسية أن تخوض عديد المواجهات لترغم فرنسا على الاعتراف بمسؤولية تونس كاملة في هذا المجال، والاعتراف  بحقّها في تكوين جيش وطني وإحباط مساعيها لعرقلة تجهيز وتطوير هذا الجيش، وإجبارها أخيرا، من خلال مواجهات دامية، إلى الجلاء عن كامل التراب الوطني بمغادرة آخر جندي فرنسي لقاعدة بنزرت في 15 أكتوبر 1963.

 

 

   
   

واجه تجسيم السيادة التونسية في ميدان الأمن والدفاع صعوبات كبيرة. فبينما لم تنته سنة 1956 إلاّ وحقّقت تونس سيادتها في المجال الديبلوماسي كان عليها انتظار سنوات أخرى لاستكمال سيادتها في مجال الدفاع الوطني. وكان على الدّولة التونسية أن تخوض عديد المواجهات لترغم فرنسا على الاعتراف بمسؤولية تونس كاملة في هذا المجال، والاعتراف  بحقّها في تكوين جيش وطني وإحباط مساعيها لعرقلة تجهيز وتطوير هذا الجيش، وإجبارها أخيرا، من خلال مواجهات دامية، إلى الجلاء عن كامل التراب الوطني بمغادرة آخر جندي فرنسي لقاعدة بنزرت في 15 أكتوبر 1963.

 

I- الرهانات والتحدّيات:

يعود قرار بعث نواة الجيش الوطني التونسي إلى مؤتمر الحزب الحر الدستوري التّونسي المنعقد في صفاقس في نوفمبر 1955 حيث صادق المؤتمرون بالإجماع على لائحة تطالب "بإحداث قوّة  عمومية تكون نواة لجيش وطني تساعد على تحقيق الهدوء واستتباب الأمن والسلام بأرض الوطن". وكانت الحاجة ملحّة لبعث قوّات مسلّحة استجابة لمتطلّبات الظروف الأمنية واستكمالا للسيادة الوطنية إذ كان يتعيّن على الدولة الفتيّة تأمين حدودها الغربية لمنع ملاحقة القوات الفرنسية للمجاهدين الجزائريّين داخل التّراب التونسي واستكمال تحرير البلاد بإجلاء القوات الفرنسية المرابطة بالجنوب التونسي وببنزرت.

وجاء توقيع اتفاقية سال سان كلو Celle-Saint-Cloud بين المغرب وفرنسا ليمكّن المغرب من تكوين جيش وطني، إضافة إلى ضغط المعارضة اليوسفية، لتدفع بتونس إلى المطالبة بتعهّدات واضحة حول مسائل الجيش والأمن والتمثيل الخارجي. وانطلق مسار تطوّر الأحداث إذ لم تعد المسألة تكوين جيش تونسي وإنّما ضمان المصالح الحيوية / الإستراتيجية لفرنسا وحلفائها في تونس وشمال إفريقيا.

وحاولت فرنسا ربط تكوين الجيش الوطني التونسي بإمضاء معاهدة دفاع مشترك وتلكأت في إعادة بناء الجيش الوطني التونسي خشية أن يؤدّي ذلك إلى تصفية الوجود العسكري الفرنسي بتونس وخاصّة في بنزرت، القاعدة الإستراتيجية التي تمكّن من مراقبة مضيق صقلية وتوفير الإمدادات لضرب الثورة الجزائرية. ففقدان القاعدة سيحرم فرنسا من السيطرة على مسالك تهريب الأسلحة الآتية للثوّار الجزائرييّن من الشرق والحدّ من عمل القوّات الفرنسية برّا وبحرا وجوّا. يضاف إلى ذلك أهميّة تونس ضمن المنظومة الدّفاعية لحلف شمال الأطلسي (O.T.A.N) مثلها مثل حلف  بغداد لمواجهة "الخطر" أو "التّهديد" السّوفياتي، بعد أن أصبح الوجود السوفياتي هامّا في الشرق الأوسط وخاصّة في مصر، والدور الذي يمكن أن تلعبه تونس في مواجهة المدّ القومي العربي من مصر النّاصرية.

وأفضت المفاوضات بين الجانبين التونسي والفرنسي إلى تضمين بروتوكول الاستقلال التّام الموقع يوم 20 مارس 1956 "اعتراف فرنسا باستقلال تونس... وما يترتّب عنه من تكوين جيش وطني تونسي". وبينما كانت السلطات الفرنسية تتلكّأ، أعلنت الحكومة التونسية على لسان رئيس حكومتها (الحبيب بورقيبة). في ماي 1956 أنّ جلاء القوّات الفرنسية عن كامل التّراب التّونسي أمر لا بدّ منه لأنّ السيادة الوطنيّة لا تحتمل وجود قوّات أجنبيّة بالبلاد، وأنّه يريد جيشا يختلف تماما عن الجيش الفرنسي له تجهيزاته الخاصّة تضمن له استقلالية العمل والحركة.

 

وتمّ اتخاذ قرار تحويل الإدارة المركزية للجيش التونسي  A.C.A.T  وموظّفيها التونسيين لتكون تحت الإشراف التونسي، وهو الهيكل الذي سيكوّن وزارة الدّفاع التي تولاّها رئيس الحكومة  (الحبيب بورقيبة). وفي 8 ماي عيّن عبد الحميد شلبي (وهو متفقّد تعليم ابتدائي) كاتبا عامّا وكان بمثابة وزير معتمد.

وأمام الرفض التونسي توقيع الاتّفاقية الدّبلوماسيّة بالصّيغة المقترحة، اتخذت الحكومة الفرنسية في شهر جوان 1956 إجراءات مضادة بتعليق موضوع بناء النوّاة الأولى للجيش  الوطني التونسي ردّت عليه الحكومة التونسية بإصدار قرار يدعو جميع  المجنّدين التونسيّين العاملين بالجيش الفرنسي إلى المغادرة.

ولم يعد لفرنسا غير الاعتراف بالأمر الواقع وفتح الطّريق لبناء النّواة الأولى للجيش الوطني التونسي. ولم يندرج هذا الإنجاز ضمن أفق شراكة دفاعية أو حتى اتفاقية تضبط وضع القوّات الفرنسية في تونس. وخلافا للمواقف السابقة التي ترفض تحويل وحدات تونسيّة بكاملها من الجيش الفرنسي لإعادة بناء الجيش التونسي أصبح من الممكن تحويل جزء من العناصر التونسية العاملة في التّشكيلات العسكرية الفرنسيّة لتكوين هذه النّواة.

وبعد فض الخلافات وتجاوز الشّروط المسبقة شرع منذ 15 جوان 1956 في الإعداد لتشكيل النّواة الأولى لهذا الجيش.  وتمّت عملية تشكيل النّواة الأولى في ظرف خمسة أيام          (من 18 إلى 23 جوان 1956). ورغم السّرعة التي تمّت بها فإنّه تمكّن يوم 24 جوان من القيام بأوّل استعراض ناجح بمدينة تونس في ظروف مشرّفة جدّا أمام حشود جماهيرية غفيرة وحضور رسمي هام.

وتكوّنت النّواة الأولى للجيش الوطني التونسي من:

- عناصر من الحرس الملكي الذين انصهروا في القوّات المسلّحة وعددهم 850 بين ضبّاط وجنود.

- الهيئات المكلّفة بحفظ الأمن في البوادي والتابعة لوزارة الدّاخلية التونسية.

- التّشكيلات النّظامية لرجال الوجق والمخازنية.

- الضباط وضباط الصّف والجنود الذين وضعوا تحت تصرّف الحكومة التونسية من قبل السلط الفرنسية وعددهم 1300.

- الشبّان من حصّتي 1954 و 1955 البالغ عددهم 3000 شاب. مجهّزين ب 200 سيّارة و 4 مدافع و 5 قاذفات، وهي أسلحة أمريكية تعود إلى الحرب العالمية الثانية.

 

II- التّنظـيــم:

شرع في تكوين المؤسسة العسكرية التونسيّة من الأعلى: فقبل أن تنشأ الوحدات العسكرية أصرّت الحكومة التونسية على وضع تنظيم مركزي للدفاع يقوم على النّحو التالي:

 

- وزارة الدّفاع: تولاّها رئيس الحكومة نفسه (الحبيب بورقيبة) الذي تولّى أيضا رئاسة هيئة أركان القوّات المسلّحة، وتتكوّن من ديوان وإدارة مركزيّة ومصالح خارجية.

 

- مجلس أعلى للدفاع: تحت إشراف رئيس الحكومة ويضمّ نائب رئيس الحكومة، وزير الشؤون الخارجية، وزير الدّفاع، وزير المالية.

 

- اللّجنة الاستشارية للخبراء العسكريّين: مكلّفة بدراسة الوسائل التي من شانها أن تمكّن من تكوين الجيش التونسي، يرأسها الكاتب العام وتتركّب من ستة عشر (16) عضوا (14 ضابطا وموظّفين إثنين).

 

- هيئة الأركان: في 15 نوفمبر 1956 تمّ تعيين الرّائد محمّد الكافي في رتبه عقيد وتولّى مهام القيادة العليا للجيش، والرّائد الحبيب الطبيب في رتبة عقيد وتولّى مهام قيادة الأركان، والرّائد محسن السّقا في رتبة عقيد وتسمية العقيد حبيب السّقّا (شقيق محسن السّقّا) رئيس القسم المركزي للحرس الملكي، مراقبا للجيش.

وأسفر التّنظيم الحكومي الجديد، النّاجم عن إعلان الجمهورية، عن إلغاء وزارة الدفاع التي  كان يتولاّها رئيس الحكومة وتعويضها بكتابة الدولة للدفاع  وتولاّها الباهي الأدغم، والإحتفاظ بالكتابة العامة للدفاع الوطني والديوان ورئاسة الأركان والمصالح والصحّة والشؤون المالية Intendance والمعدّات وسلاح المشاة والمدفعية والإشارة والهندسة والمدارس.

 ومنذ إنبعاثه، وقع تنظيم الجيش الوطني ضمن أفواج حدّدت له مهمّة الدفاع عن حوزة الوطن وحدود البلاد والتّصدي للقوات الفرنسية بالجزائر ومنعها من اجتياز ودخول التّراب التونسي عند ملاحقتها للثوّار الجزائريّين الذين وجدوا في الأرض التونسية ملاذا وقاعدة خلفية لعملياتهم .

وكوّنت القوّات التي تجمّعت في بوفيشة يوم 18 جوان 1956 أوّل فوج تونسي وهو الفوج الأوّل لمختلف الأسلحة ويضمّ كتيبة مشاة وسريّة متركّبة من فصائل دروع وخيّالة وبطّارية  مدفعية وفصيل نقل. وأعيد تنظيم الجيش الوطني يوم 8 ماي 1957 عندما ارتفع عدد أفراده فانضم إلى صفوفه العديد من الجنود التونسيّين الفارين من وحداتهم الفرنسية وتمّ تعزيزه بمجموعة الضباط وضباط الصّف وجنود تونسيّين كانوا يعملون أو كانوا يتكوّنون في صفوف الجيش العراقي والسّوري.

وأصبح الجيش التونسي، بعد إعادة تنظيمه، يشتمل على خمسة أقسام وبعث فوجان آخران للمشاة: الأوّل بقابس والثاني بعين دراهم أمّا الفوج الثالث فتمّ بعثه بالقصرين. ثمّ تلاه بعث أفواج أخرى فيما بعد. كما تمّ بعث المركز الطبّي والاجتماعي بباب سعدون في شهر أوت 1956 وحلّ إدارة الحرس الملكي في بداية شهر أكتوبر 1956 وبعث مدرسة تكوين ضباط الصف بباردو في 14 نوفمبر 1956 وسن قانون التّجنيد الإجباري بالبلاد يوم 10 جانفي 1957.

وارتأت دولة الاستقلال أن تعطي الأولوية في تكوين الجيش الوطني لتشكيلات جيش البرّ وبالخصوص سلاح المشاة منه.  وبُرّر هذا الاختيار بالانخفاض النّسبي لكلفة التّجهيز وإمكانية تكوين هذه التّشكيلات وذلك بإحالة العسكريّين التّونسيّين المنخرطين بالجيش الفرنسي إلى هذه النّواة الأولى بالإضافة إلى عناصر الجيش الملكي ومن المجنّدين. ولم يحبحب هذا التّمشّي، التّفكير في إحداث جيش البحر وجيش الطيران. وفي هذا الصّدد تمّ فتح مكاتب لدى كتابة الدولة للدّفاع تعنى بإعداد الموارد البشريّة لتحقيق هذه الغاية فتمّ بعث مكتب جيش البحر ومكتب جيش الطيران سنة 1957.

 

● جيـش البــر:

أحدثت النواة الأولى في ظروف صعبة إذ لم تمض على وثيقة الاستقلال إلاّ نحو ثلاثة أشهر ومضى على إحداث وزارة الدفاع أقل من شهرين. وارتكز التنظيم الأوّل لهذه التّشكيلات بصفة أساسيّة على سلاح المشاة ثم ّ تلاه في وقت لاحق بعث بعض وحدات الإسناد والدّعم. وتكوّن الفوج الأوّل مختلف الأسلحة من جنود وإطارات تونسيّة قادمة من الجيش الفرنسي تتمتّع بخبرة  وقيمة مهنية لا يستهان بها. أمّا البقيّة فمصدرها الحرس الملكي أو المدارس العسكريّة العربيّة المشرقيّة كمصر والعراق.

وتمثل نشاط هذه التّشكيلات مباشرة إثر تكوينها في القيام بعديد المهمّات بداخل البلاد  وخارجها. فمنها ملاحقة العناصر اليوسفية وإدماج العناصر المخزنية الرّديفة والمساهمة في حملة  السدود وتحرير بنزرت وحراسة الحدود وتزويد المراكز  الريفية التي تضرّرت من الجفاف بالماء، ونقل الإمدادات للثوّار  الجزائريّين  والمشاركة في عملية حفظ السلام في الكونغو بثلاثة آلاف رجل سنة 1960.

ودخل الجيش التونسي في مواجهات مع الجيش الفرنسي المرابط بتونس إثر ملاحقة القوّات الفرنسيّة لعناصر المقاومة الجزائريّة بالتراب التونسي أو إثر توتّر الأوضاع بين تونس وفرنسا واندلاع المظاهرات الجماهيريّة المطالبة برحيل القوّات الفرنسية بعد اختطاف السلطات الفرنسية للطائرة المقلّة للقيادة الجزائريّة القادمة من المغرب الأقصى والمتّجهة نحو تونس في أكتوبر 1956. ومن أبرز هذه المواجهات: مارث وقابس (27 أكتوبر 1956)، عين دراهم                 (21 ماي 1957)، فم الخنقة (2 جانفي 1958)، رمادة (ماي 1958)، جبل الكوشة وقفصة (ماي 1958)، بنزرت  والناظور 233 (جويلية 1961).

 

● البحــريّــة:

لم تفكّر الحكومة التونسية في تشكيل بحريّة وجيش طيران إثر الاستقلال مباشرة للصعوبات التي يتطلّبها تكوين مختصّين. وكانت البداية بتكوين إطارات بمدرسة الطّيران التي انطلقت في أكتوبر 1956 واتّسعت سنة 1957 لتشمل البحريّة.

غير أنّ مشاريع البحرية وجيش الطّيران لم تجد طريقها نحو الإنجاز. ففي ذلك الوقت كانت القوات الفرنسية المرابطة بقاعدة بنزرت تمرّ بصعوبات أهمّها عدم أمان القاعدة واستحالة التحرك في البحر ووقف أشغال البنية التحتيّة المموّلة من قبل الحلف الأطلسي في انتظار مفاوضات تونسيّة فرنسيّة تحدّد مستقبل القاعدة، وكان رفض تونس إعطاء وضع خاص لبنزرت يبعد كلّ تدخّل تونسيّ خصوصا في الميدان العسكري سببا في امتناع فرنسا تقديم أيّة مساعدة للجيش التونسي في هذا المجال.

وقد عبّرت الحكومة ا لتونسيّة منذ 4 جويلية 1957 عن رغبتها في تكوين عناصر رمزيّة  لسلاح  الجوّ والبحرية لمراقبة المجال الجوّي والمياه الإقليميّة، تحت إشراف إطارات فرنسية من خلالهم  يتكوّن طيّارون وبحريّة تونسيّون في المستقبل.

ولتعزيز صفوف الجيش الوطني وقع إرساء سلاح البحريّة ببعث مركز  تكوين البحرية الوطنيّة. وتميّزت بداية المرحلة ببعث النّواة الأولى لجيش البحر بالاعتماد على بحّارة كانوا يعملون قبل الاستقلال لفائدة البحريّة الفرنسيّة وبعض الوحدات البحريّة المستلمة من البحريات الصّديقة.

وتمثّلت الخطوة الأولى في إحصاء كلّ البحارة الذي عملوا ضمن البحرية الفرنسيّة وكان عددهم 2307 تمّ اختيار مجموعة منهم للاستعانة بها في بعث وتسيير أوّل مركز تكوين خاص بالبحرية مهمته انتداب شبّان تونسيّين وتكوينهم عسكريّا. أرسل البعض للتكوين في المدارس الأجنبيّة ثمّ وقع انتداب تلميذين كانا يتكوّنان بمرسيليا لصالح البحريّة التّجارية وأرسلا إلى المدارس البحرية ببراست Brest الفرنسيّة ليكونا أوّل ضابطين شابين يعملان لفائدة البحرية التونسية.

وبالتوازي مع توفير العنصر البشري تمّ خلال هذه الفترة اقتناء بعض الوحدات الصّغيرة (طوّافات - جوّالات) للمساعدة على إجلاء القوّات الفرنسيّة من المنشآت البحريّة بجهة بنزرت أوّلا ثمّ حماية السّواحل التونسيّة بالعمل على مقاومة الناهبين لثرواتها والمهرّبين لخيراتها.

ومنذ الاستقلال وحتى جوان 1962 " تاريخ استلام البحريّة الوطنيّة للمنشآت البحريّة بمدينة منزل بورقيبة" كان تواجد أفراد البحرية مقتصرا على ميناء حلق الوادي إلى أن امتدّ تدريجيّا إلى جهة منزل بورقيبة أوّلا ثمّ المصيدة ببنزرت بعد جلاء البحرية الفرنسية عنها في 15 أكتوبر 1963.

 

● جيـش الطيـران:

مثله مثل جيش البحر انطلق بناء جيش الطيران بفتح مكتب له في كتابة الدولة للدفاع الوطني مهمّته الأساسيّة انتداب وتكوين الإطارات. وبما أنّه لم يرث عن الجيش الفرنسي أيّ إطار كانت ولادته أصعب من تلك التي عرفها الجيشان الآخران. وتركّزت العناية على تكوين الإطارات اللاّزمة لبعث النواة الأولى لهذا الجيش. فكان انتداب عديد الشبّان التونسيّين لإرسالهم إلى مدراس فرنسية "صالون"، "مونبولي"، "أفورو" و "كونياك"، قصد تكوينهم كضبّاط وآخرين كضبّاط صف بمدينة "نيم"، "روشفو"، "آفور" و "أوكسار" بفرنسا و"مكناس"، "مراكش" و"فاس" بالمغرب الأقصى، و"لندكونبق" و"قويتبورق" بالسويد.

أمّا في مجال المنشآت فتم استلام قاعدة العوينة الجوّية من القوّات الفرنسية يوم 11/10/1958 انتصبت فيها النواة الأولى لجيش الطيران. وبين شهر ماي 62 وأكتوبر 1963 تدعّمت التجهيزات التابعة لجيش الطيران بإستلام بعض القواعد الجوّية التي كانت بحوزة الجيش الفرنسي المرابط بتونس.

وقد شاركت، ولأوّل مرّة، عناصر من جيش الطيران إلى جانب وحدات من جيش البرّ والبحر في استعراض يوم النصر في 1 جوان 1959.

وفي 15 سبتمبر 1963 صدر أوّل تنظيم لأركان جيش الطّيران الذي تكوّن من ثلاثة أقسام: الإدارة والأفراد، التدريب والعمليّات، قسم العتاد.

 

III- التسلّـح والأفـراد:

1- الأفــراد:

 بحصول تونس على استقلالها أصبح من حق الحكومة التونسيّة مراجعة وضع القوّات العسكرية الفرنسية المرابطة بتونس. وكان لزاما عليها تجميعها في قواعد ليتم إخلاؤها تدريجيّا حالما يتمكّن الجيش التونسي من القيام بهذه المهمّة.

وعلى أيّة حال أصبح من المستحيل على الجيش الفرنسي التصرّف حسب رغباته على كامل التّراب الوطني والمجالين الجوّي والبحري وأن يقيم ويتحرّك بحريّة وخصوصا أن يقوم بعمليات مراقبة بل وبعمليات حربيّة.  وتعزّز الإقتناع بأهميّة الموقع الإستراتيجي لتونس بعد إندلاع أزمة قناة السّويس والمساعدة السوفياتية لمصر وتصاعد العمليات العسكريّة للثوّار الجزائريّين المدعومة من قبل الدول المجاورة.

وتأكّد للسلط التونسيّة تعزيز القوّات العسكريّة أفرادا وتجهيزا للقيام بهذا الدّور. ففي أواسط سنة 1957 تضاعف عدد أفراد القوّات المسلّحة باستيعاب الحرس الملكي والعناصر القادمة من وحدات التيرايور.  وما بين مارس وسبتمبر 1957 تضاعف حجم أفراد القوّات المسلّحة ثلاث مرّات ليصل إلى 6500 رجل و إلى 7500 في فيفري 1958. وقد جاء هذا الارتفاع تحت تأثير اعتبارات سياسيّة دون انتظار مساعدة فرنسا. والدوافع وراء ذلك ملأ الفراغ الذي أحدثه تخفيف حجم القوّات الفرنسيّة المرابطة بتونس والرّغبة في تأمين مراقبة الحدود و "استعراض القوّة" أمام الجيش الفرنسي لتأكيد السّيادة التونسيّة.

 

2- التّسلّــح:

تميّزت سنة 1957 بتعدّد الأزمات والمواجهات بين السلط العسكرية الفرنسية بتونس وحكومة باريس من جهة والحكومة التونسية مدعومة بسند شعبي كبير، من جهة أخرى. وقد بلغت الأزمة ذروتها سنة 1958 الأمر الذي دفع بفرنسا إلى وقف الإمدادات وإصلاح  التّجهيزات. وكان السبب الحقيقي وراء ذلك هو الخشية من تكوين جيش مسلّح قادر على بسط سيطرته على الحدود الغربية يمنع القوّات الفرنسيّة من ملاحقة الثوّار الجزائريّين وتسهيل مهمّتهم. وأصرّت فرنسا على ربط الإعانة العسكرية (التسلّح والتجهيز) بإمضاء إتّفاقية دفاع مشترك. غير أنّ هذا الإصرار والعناد كانا مهدّدين باختفاء التّأثير الفرنسي ليسمح لقوى أخرى منافسة أن تحتلّ مواقع بالبلاد التونسيّة. فأمام امتناع فرنسا تلبية الحاجيات العسكرية من معدّات وتجهيزات توجّهت الحكومة التونسية إلى أطراف أخرى مثل بلجيكيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتّحدة  ومصر وغيرها... وذكّر بورقيبة بما آل إليه الوضع في الشرق الأوسط عندما رفضت الدّول الغربية بناء السّد العالي وتلبية حاجيات مصر العسكرية بإبرام صفقة السّلاح التّشيكي.

فمصر والعراق والعربية السعودية قدّمت اقتراحات لتكوين بحرية وتدريب طيّارين، والولايات المتّحدة وبريطانيا ومصر أمدّت تونس بكميّات متفاوتة من الأسلحة الأمر الذي حدا بالحكومة التونسيّة إلى إطلاق حملة أطلق عليها "نصف شهرية الجيش" La Quinzaine de L’armée  من 7 أوت إلى 30 أوت  1957 الغرض منها جمع الأموال اللاّزمة  لاقتناء السّلاح وإقناع الرأي العام التونسي بضرورة بناء جيش وطني. واستخدمت لهذا الغرض جميع الوسائل من صحافة مكتوبة ومسموعة  وسينما وخطب وملصقات وتظاهرات مختلفة الأشكال اختتمت باستعراض عسكري رمزي في شوارع العاصمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

● تطوّر المعدّات والتجهيزات:

 

 

1956

1957

قطع أسلحة

2573

6029

عربات

243

460

معدات راديو

123 جهاز

 

 

 

 

● مصدر المعدّات والتجهيزات (1957):

 

فرنسا

الولايات المتحدة

انقلترا

مصر

المجموع

2569 قطعة سلاح

500 قطعة سلاح

500 قطعة سلاح

2460 قطعة سلاح

6029 قطعة سلاح

 

وارتفعت ميزانية الدفاع بنسبة 8.2 % بين 1957/ 1958 و 1958/1959 لتنتقل من 2.725.720.000 فرنك  إلى 4.956.09.000 فرنك وتطوّرت حصّة الميزانية المخصّصة للدفاع في الميزانية العامّة من 5.8 % إلى 10.2 %.

● الميزانية العامّة للدولة

1957 - 1958

1958 - 1959

46465 مليون فرنك

46845 مليون فرنك

 

 

 

IV- التّكوين :

في حين تأجّل مدّ الجيش التونسي بالتّجهيزات والمعدّات اللاّزمة، راهنت  فرنسا على مجال التّكوين الذي حافظ  على استمراريّتة رغم الأزمات والهزّات التي حفّت بالعلاقات التونسيّة الفرنسية. وقد عبّرت فرنسا عن خشيتها من استفادة أطراف أخرى من هذا الخلاف. وفي هذا الصّدد لعبت المدارس الفرنسية ومدرسة باردو لضبّاط الصف دورا هاما في تخريج الخبرات  والكفاءات العسكريّة التونسيّة.

ومن جانبها راهنت الحكومة التونسيّة على تكوين الإطارات التونسيّة بالمدارس الفرنسيّة وعلى المنوال الفرنسي ليكونوا همزة وصل وجسرا لتوثيق العلاقات التونسية الفرنسيّة. فخيار القيادة التونسية هو الخيار الغربي والفرنسي تحديدا.

وعلى هذا الأساس تمّت المطالبة بإرسال مجموعة من التّلاميذ الضباط وعددهم 114، ينحدر جلّهم من أوساط حضريّة وبرجوازية ليقوموا بتربّصات أرسل منهم مائة (100) إلى المدارس العسكرية العليا لمختلف الأسلحة E.S.M.I.A بسان سير Saint-Cyr وكويتكيدان Quoetquidan والتحق البقية بمدرسة الطيران (02) ومدرسة الإدارة (09) ومدرسة الصحّة (03). وبطلب من الحكومة التونسيّة  تمّ توزيع التلاميذ الضبّاط التونسيّين  على مختلف مجموعات التلاميذ الفرنسيّين ليندمجوا أكثر في الوسط الفرنسي والارتقاء بمستواهم التعليمي.

أمّا تكوين ضبّاط الصفّ فكان في تونس. ولهذا الغرض تمّ إنشاء مدرسة باردو لتكوين الإطارات عهدت إداراتها لمحمّد الصالح المقدّم وتمّ افتتاحها يوم 14 نوفمبر 1956. ولهذا التاريخ أكثر من دلالة: فقد بعثت في نفس المكان الّذي يضمّ المدرسة الحربية التي بناها المشير أحمد باي وأثناء أزمة حادّة بين تونس وفرنسا ومن أسبابها رفض فرنسا مدّ الجيش التونسي بالأسلحة المطلوبة رغم الوعود ورفضها تسليم مواقع دفاعية حسّاسة للجيش التونسي وتماديها في استعمال الأجواء والأراضي التونسيّة لملاحقة الثوّار الجزائريّين واختطاف الطائرة المقلة للقيادة الجزائريّة (أكتوبر 1956) ومشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر (نوفمبر 1956).

وتخرّج من مدرسة باردو مائتي ضابط صف في دورة 1956 / 1957 و 106 في دورة 1957 / 1958 بالإضافة إلى تكوين العشرات في ميدان السياقة وأربعة متربّصين في ميكانيك البطّاريّات والسلاح الثقيل في تونس. أمّا الجنود فيتم تدريبهم في معسكرات التدريب في كلّ من سوسة وصفاقس والقيروان على الطريقة الفرنسيّة.

وامتدّ التكوين بفرنسا ليشمل ضبّاط الصف. فأكثر من أربعين (40) تمّ إرسالهم لتربّصات في مختلف الاختصاصات (المدرّعات، الإشارة، الإدارة، التربية البدينة...) التحق عشرون منهم (20) بنيم  Nimes ليتلقّوا تكوينا في اختصاصات جيش الطّيران. وفي مستهل سنة 1958 تمّ اختيار عشرة (10) تلاميذ طيّارين للالتحاق بمرّاكش. وتواصل هذا التّعاون في السّنوات اللاّحقة، فارتفع عدد المتربّصين وتنوّعوا. ففي السنة الدّارسية 1959/ 1960 التحق حوالي ثلاثمائة (300) ضابط وضابط صف لمتابعة تكوينهم في المدارس الفرنسية من بينهم قرابة المائة (100) في اختصاصات جيش الطّيران وستّون (60) في اختصاصات البحريّة.

 وستضع أزمة بنزرت مؤقتا حدّا لهذا التعاون. غير أنّ السنوات الخمس الأولى (1956 – 1960) في ميدان التكوين سمحت للقوّات المسلّحة التّونسيّة الشّابة إمتلاك جيل كامل من الإطارات القادرة على الإشراف على تطوّره.

 

جاء بعث نواة جيش وطني تونسي ليثبت أنّ الاستقلال الذي تمّ إحرازه ليس مجرّد كاريكاتور استقلال. فرغم الضغوط والمساومات نجحت تونس المستقلّة في ظرف وجيز في إنشاء قوّة عسكريّة لا يستهان بها إدارة وتأطيرا وتنظيما أثبتت قدرتها على حفظ النظام والدفاع عن أمن البلاد الخارجي والمساهمة في عمليات حفظ السلم في العالم.

قراءة 18916 مرات